السبت، 7 مايو، 2011

عنف أديان التوحيد

لم يذكر لنا تاريخ أديان التعدد " الوثنية " أي عنف جمعي علي أساس الدين يوجه ضد المختلف دينيا . صحيح أنه توجد حالات قليلة ، ولكنها كلها كانت موجهة لمن ينكر الألهة جملة وتفصيلا وليس لمن يعتقد في إله جديد أو مختلف عن الإله السائد فى ثقافة المجتمع ، مثل الذي حدث مع السفوسطائي بروتاغوراس ( حيث تمت مطاردته من قبل العامة فى أثينا لأنه ينكر وجود الإله ، حتي هرب بسفينة إنقلبت به فى البحر ) ومع ذلك فقد كان هناك العديد ممن ينكرون الإلهة صراحة ولم يحدث لهم شيء مثل أبيقور وديمقريطس وهيجسياس العدمي الذي كان يدعو إلي الانتحار علانية فى قورينا . ولم يقتصر الأمر علي قبول تعدد الألهة المحلية ، بل إمتد ليشمل أي إله وارد من ثقافة أخري : مثل عبادة الإله الشمسي الفارسي ميثرا ( المولود في 25 ديسمبر مثل يسوع ! ) داخل روما نفسها وريثة التراث اليوناني الكلاسيكي العظيم . كذلك عند دخول الإسكندر مصر فقد إحتفل به كهنة أمون داخل معبد أمون فى سيوة وتم تنصيبه هو ذاته كإله دون أي إعتراضات من المصريين ، كذلك حدث فى هذا العصر الهلليني مزج بين الألهة اليونانية والمصرية مثل الإله سيرابيس الذي يجمع بين ديونسيوس اليوناني وأوزير المصري فى شكل ثور، هذا الإله كان له معبدا ضخما فى الإسكندرية هدمه رعاع المسحيين فى القرن الرابع الميلادي فيما أذكر . يري المفكر الألماني يان أسمان ونحن معه أن التمييز الموسوي هو السبب فى دخول الكراهيية علي أساس ديني ونفي الآخر المختلف دينيا وعدم قبول التعدد فى الثقافة مما أوجد العنف لاحقا داخل كل الديانات الإبراهيمية ، ولكنني أري فى الحقيقة أن الأمر أبعد من ذلك ففكرة التوحيد ذاتها فكرة مطلقة لا تقبل بنسبية النظر إلي العالم وبالتالي لا تقبل بوجود أي رؤية أخري مغايرة لها ومن ثم لن تقبل بوجود إله آخر فقط وإنما سيتم تصنيف هؤلاء الداعون إلي إله آخر أو رؤية أخري بديلة علي أنهم أعداء لإلههم الواحد ، أي هم طرف النقيض فى ثنائية الخير والشر الكونية التي رسمها لهم دينهم ، وبالتالي سيكون من الطبيعي محاربة هؤلاء " الأشرار " الذين يقفون ضد الحقيقة المطلقة وفي مواجهة معسكر الخير الجمعي للإنسانية . وقد كانت بداية هذه النظرة النكبة علي يد الفرعون المصري المخرف إخناتون الذي دعا إلي إله واحد عالمي ، وإستخدم سلطته كحاكم لمصر فى هدم كل معابد أمون وإجبار الكهنة علي تقديم طقوس الدين الجديد والقبول مرغمين بأتون . وقد تأثرالتراث العبراني بشدة بما أتي به إخناتون لدرجة أن أناشيد الشمس تم نقلها حرفيا فى أحد المزامير مثلما أوضح برستيد في فجر الضمير مما سبق يتضح لنا أن فكرة التوحيد كانت نقمة علي الإنسانية وهي السبب الرئيسي فى كل ما نعانيه من اضطهاد الأغلبيات للأقليات هذا ناهيك عن الحروب الدينية التي لم يعرفها العالم القديم ( عالم التعدد ) إطلاقا .

الأحد، 1 مايو، 2011

وهم حرية الإرادة

عندما نتكلم مع المؤمنين عن وجود " الشر " في العالم ومعرفة " الله " ـ المزعوم ـ المسبقة به وعدم تعديله للخلق قبل التصميم من حيث يتلافي دراما السقوط لإبليس ومن ثم أدم وحواء وبقية مسلسل النشوء الإبراهيمي ، يحاججوا بإنتفاء حرية إرادة الإنسان لو أن " الله " فعل ذلك . هنا أن الإنسان يمتلك حرية الإرادة أصلا بإطلاق وهذا في الحقيقة يتعارض مع واقع الحال فالإنسان يمتلك حرية إرادة حينما يتم القياس بالنسبة إلي إنسان آخر أو إلي كائن أدني في القدرات ، بينما بالقياس إلي كائن أعلي ـ مفترض ـ كالله ذاته فالإنسان لا يمتلك إرادته بل هو مربوط بحبل الضرورة ومقيد بقدراته المحدودة فى التعامل مع هذه الضرورة . فلو كان الله يريد للإنسان أن يكون حر الإرادة فعلا كان قد جعله ندا مساويا له فى جميع القدرات والإمكانيات كاملة دون نقصان ، حتي يستطيع التحرر من جميع القيود التي تربطه بما فيها الله ذاته : تبعيته الجبرية تحت طائلة العقاب لهذا الإله ـ وطبعا الخوف من العقاب هو إحدي الضرورات المقيدة ، أو إحدي الشروط التي " خُلق " عليها الإنسان .

الجمعة، 22 أبريل، 2011

هل ستتكرر تجربة إيران مع الثورة المصرية ؟

هل سيسرق الإسلاميين الثورة من أنصار الدولة المدنية ـ العلمانيين خصوصا ـ كما حدث في إيران فى ثورة 1979 حينما سرقها الإسلاميين بقيادة الخوميني من العلمانيين ـ اليسار خصوصا ـ ؟
الملاحظ أن المجلس العسكري يصدر لنا الإسلاميين كفزاعة لكي نقبل بالديكتاتورية العسكرية ، ولكن المجلس لا يعرف خطورة ما يفعل فربما هذا الوحش الذي يطلق الآن من عقاله يلتهم أول ما يتقوي صانعيه المجلس العسكري نفسه ، مثلما حدث مع السادات بالضبط فبعد أن أخرج الإسلاميين من المعتقلات وتحالف معهم من أجل ضرب اليسار المصري داروا علي صانعهم نفسه وقتلوه . خطورة الإسلاميين متمثلة فى عدم قبولهم للآخر وعدم فهمهم لمعني الإختلاف وعدم الإعتراف الفعلي لمبدأ المواطنة . فمع تصريحات قيادات الإخوان بتطبيقهم للحدود إذا أمتلكوا الأرض ومع هبّة السلفيون بقنا ضد تعيين محافظ قبطي تهدر حقوق غير المسلمين ( مبدأ المواطنة هنا غير معمول به إذيتم التمييز علي أساس الدين ) .
ما حدث في قنا خصوصا يثير بضعة أسئلة : لماذا تم إختيار محافظ قبطي خصيصا لقنا ألآن رغم معرفة المجلس وعصام شرف أن نسبة الأقباط في قنا أقل منها فى أسيوط والمنيا ؟ ورغم معرفتهم أن نسبة السلفيين فى قنا مرتفعة وبالاضافة إلي القبلية فأن الدين هو الذي يتحكم فى حياة الناس هناك وأيضا رغم معرفتهم طبعا بأن المحافظ السابق كان قبطي أيضا وهذاالتكرار في تخصيص قنا للأقباط من شأنه أن يثير حفيظة السلفيين هناك وطبعا قيادة هؤلاء للعامة وتوجيههم نحو ما يريدون ستكون مهمة سهلة في ظل محافظة بها نسبة أمية مرتفعة بالاضافة إلي إنعدام ـ تقريبا ـ الانشقاقات الفردية هناك ، حيث الجميع يطيعون كبار عائلات القبيلة التي ينتمون إليها .
نرجو من أنصار الدولة المدنية أن يتصدون بقوة لمحاولات اللعب بكارت التطرف الديني من قبل المجلس العسكري والأهم أنهم يقفون في وجه محاولات أسلامة المجتمع ونظام الحكم فالخطر سيطول الجميع وأرجو ألا تسير الأمور إلي وضع سيء حيث لا ينفع الندم حينئذ

السبت، 2 أبريل، 2011

لماذا تأخر الشعب في فهم أن المجلس العسكري هو رأس الثورة المضادة ؟

رشحني اتحاد الشباب الديمقراطي لكتابة بيانه الذي سيوزع فى الميدان يوم جمعة إنقاذ الثورة وكان البيان كالتالي : (لا تزال ثورة الشعب المصري العظيم مستمرة رغم مرور أكثر من شهرين علي بدايتها من أجل إسقاط النظام بالكامل الذي لا تزال بقاياه موجودة في مواقعها بدعم من قوي الثورة المضادة وعلي رأسها المشير طنطاوي الذي يحمي مبارك حتي الآن ويرفض تقديم كل من فتحي سرور وذكريا عزمي وصفوت الشريف للمحاكمة . هذا بالإضافة إلي محاولات إجهاض الثورة بمشروع قانون تجريم التظاهر والإضرابات العمالية وأيضا بالقبض علي الناشطين وتقديمهم إلي محاكمات عسكرية فورية وأيضا إصدار قانون تنظيم الأحزاب المجحف في شروطه غير المقبولة من كل القوي الوطنية . نحن نطلب محاكمة كل من مبارك وأسرته وفتحي سرور وذكريا عزمي وصفوت الشريف وتطهير وسائل الإعلام من القيادات الفاسدة وعدم تقديم المدنيين لمحاكم عسكرية وتسليم الحكم لمجلس مدني منتخب مكون من أربعة منهم واحد عسكري )

وجهت لي اعتراضات علي جملة أن طنطاوي هو رأس الثورة المضادة واتهموني بالفوضوية وطلبوا مني وضع كلمة " تخاذل " أو تباطؤ " المجلس العسكري فى تنفيذ مطالب الثوار . هل لا يزال الشعب لم يرِ بالفعل أن طنطاوي ورجاله بالجيش يقود الثورة المضادة ؟

كانت الهتافات في الميدان كلها لاتزال تردد مطالبنا دون أي هجوم علي المجلس العسكري ، أقصي هتاف راديكالي سمعته هو " يا مشير يا مشير ... قوللي فين هو التغيير " هل لا يزال الشعب لا يري أن المجلس العسكري هو عدو الثورة الآن ، أم أنهم يخشون من المواجهة مع قيادات الجيش وما يمكن أن يسفر عنه من عنف متبادل ؟ المجلس العسكري يحمي ثلاثي الفساد الكبير عزمي وسرور والشريف ، ولم يصدر بحقهم قرار منع من السفر إلا قبل جمعة الإنقاذ بيوم واحد وهذا مؤشر واضح علي أن المجلس لا يتحرك للتطهير من تلقاء نفسه وإنما خوفا من الضغط الشعبي ! المجلس يحمي مبارك حتي الآن ولم يقدمه للمحاكمة رغم الثروات المنهوبة وأعداد القتلي الكثيرة التي تمت فى عهده وبأوامر منه فى الوقت الذي يتم فيه القبض علي الناشطين الذين يمارسون أبسط حق لهم فى الإعلان عن رأيهم ونشره سواء علي شبكة الإنترنت أو فى الشارع مباشرة ، ويقدمون لمحاكمات عسكرية فورية وهم مدنيين ! فى الوقت الذي يحاكم فيه الفاسدين والقتلة من رجال النظام السابق أمام محاكمات مدنية ! هل لا يزال أحد يشك أن المجلس العسكري يقف أمام إرادة الشعب ويرفض تنفيذ مطالبه ؟

السبت، 26 مارس، 2011

ما العمل ؟

لم نكن نحلم أن يتحرك الشعب المصري أبدا ويثور علي طغيان وفساد ثلاثين عاما ، ولكن الحلم تحول إلي حقيقة بفضل شباب الفيسبوك العلماني الذي بدأ الثورة ( لا يجب أن ننسي أن الإخوان أعلنوا عدم مشاركتهم فى النزول للشارع يوم 25 يناير ولم ينضموا للثوار إلي يوم 28 بعد سقوط حهاز الشرطة ، وايضا السلفيين معروف أنهم يمنعون الخروج علي الحاكم ولم يظهروا فى ميدان التحرير قبل 28 يناير ) والذي أراد دولة مدنية ديمقراطية ودستور علماني يعيش جميع المواطنين فى ظله سواسية عليهم كل الواجبات ولهم كافة الحقوق دون تفرقة أو تمييز علي أي أساس سواء كان ديني أو عرقي أو جنسي .
بعد موقعة الجمل يوم الأربعاء 2 فبراير تعاظم دور الإخوان فى الثورة حيث أنهم وقفوا بقوة أمام بلطجية النظام وساهموا فى المحافظة علي الميدان ، بعد أن أدركوا أن كارت البلطجية آخر حيلة لجأ إليها النظام ( بعد أن رفضت قيادات الجيش تنفيذ أوامر مبارك بضرب الثوار فى الميدان بطائرات الأف 16 يوم 31 يناير ) أخذوا يحشدون شبابهم من كل المحافظات ويرسلوهم للميدان .
لم يجد مبارك مفرا من التنحي بعد الضغوط الدولية عليه والداخلية من قيادات الجيش الذين أرادوا الحفاظ علي مصالحهم بعد المواجهة مع الشعب ، وطبعا بتنحي مبارك زالت شرعية نائبه عمر سليمان وتسلم المجلس العسكري زمام الأمور لقيادة البلد فترة انتقالية ( لم تحدد بعد بشكل قاطع المدة ) لحين إجراء انتخابات رئاسية .
كوّن الثوار لجنة مكونة من ثلاثة عشر شابا ليتكلموا باسم الثورة وسموا أنفسهم " إئتلاف شباب الثورة " وأغلبهم يفتقد الخبرة السياسية والنضج الكافيين لجعلهم منتبهين لمخططات الإخوان لسرقة الثورة وهو ما حدث بالفعل ( أحد أخطائهم التزامهم " بوعد " أعطوه لرئيس الوزراء سامي شرف بإيقاف المظاهرات المليونية وهو ما فض الميدان من المتظاهرين بعد أن كان يمتلأ عن آخره كل جمعة ) وبالاضافة إلي برائتهم فى التعامل مع الجيش ( كانوا يرددون هتافات "الجيش والشعب إيد واحدة " فى الوقت الذي كان الجيش يسحل المتظاهرين ويعتقلهم ويوقع كشف عذرية علي الفتيات ! )
وطبعا فى ظل تفتت الجماهير وغياب رموز وقادة لهم يتمتعوا بالخبرة السياسية التي تؤهلهم لتمثيل هذه الجماهيرو مطالبة المجلس العسكري بتنفيذ إرادتها ، وجد الأخوان الساحة خالية لهم ليصولوا ويجولوا فيها كما يحلوا لهم وبدعم من رموز الدعوة السلفية الذين لهم شعبية فى الشارع المصري نظرا لإنعدام الثقافة الحقيقية وانحدار مستوي التعليم ، الأمر الذي يعد مؤشر قوي علي إختلاط الدين بالسياسة حيث أن السلفيين كما هو معروف ليسوا ثوريين و يرفضون الخروج علي الحاكم ، وقد كان كل همهم المحافظة علي وجود المادة الثانية فى الدستور وفيما يبدو سيطالبون بتفعيلها مستقبلا .
تعد نتيجة الاستفتاء اختبارا حقيقيا لقوة الأخوان والسلفيين مع فلول الحزب الوطني حيث أنهم القوتين الوحيدتين اللتان أعلنا موافقتهما علي التعديلات الدستورية . معروف أن بقية أحزاب المعارضة الكرتونية رفضت التعديلات فى محاولة منها لركوب موجة الثورة بالتأكيد علي مطالب الثوار بإسقاط دستور 71 وعمل دستور جديد يحجم سلطات رئيس الجمهورية التي تكاد أن تكون مطلقة ( رغم أن "الائتلاف " لم يعلن رفضه للتعديلات إلا قبل الاستفتاء بيومين فقط ! )
نجاح الإخوان والسلفيين فى إختبار قوة تأثيرهما علي الجماهير العريضة جعل المجلس العسكري يتعامل معهم علي أنهم القوة الوحيدة الموجودة علي الساحة : أخرج لهم المعتقلين السياسيين ، وصدّر عبود الزمر إعلاميا لدرجة أنه كان يتكلم بإسم الثورة ويحرض علي القتل علانية فى لقاء تليفزيوني ويشكك فى إنتماء الأقباط لوطنهم مطالبا بعودة فرض الجزية عليهم !، وفى قرار مرتبك أخرج محمد ربيع الظواهري شقيق الرجل الثاني فى تنظيم القاعدة رغم وجود حكم إعدام ضده ، ثم عادوا وألقوا القبض عليه ! ، والآن يدرسون مطالبة الولايات المتحدة بالإفراج عن الإرهابي عمر عبدالرحمن !
ماذا يريد الجيش أن يصدر لنا بتلك القرارات ؟ هل يرسل بذلك رسالة للخارج والداخل معا : لابديل عن الديكتاتورية العسكرية غير دولة دينية متطرفة بدعم وموافقة من الجماهير الجاهلة ؟
ما العمل الآن والإخوان من المتوقع أن يكتسحوا الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستقام فى يونيو القادم تلك الفترة القصيرة التي هي غير كافية بالمرة لتشيكل أحزاب قوية تستطيع أن تنافسهم ؟
المخيف أن يحصلوا علي أغلبية الثلثين فى المجلس ومن ثم يشكلوا لجنة تأسيس الدستور الجديد من رجالهم وبالتالي دستور ديني قمعي وطبعا سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية ( هذه الجماعية لا تستطيع أن تفكر فى الحكم إلا وذهنها ينصرف إلي الفرد الحاكم وليس المؤسسات ) أي خلق ديكتاتور جديد ربما يكون أسوأ من مبارك .

الجمعة، 24 ديسمبر، 2010

رسول العدم إميل سيوران

على كثرة ما قرأت لم أعرف مبدعا أصيلا ويبلغ هذه الدرجة من العدمية والتشاؤم مثلما فعل الرومانى إيميل سيوران ،هل هو شاعر أم فيلسوف ؟ أظن أن هذا السؤال من الأسئلة الصعبة لأن كتابات سيوران يصعب تصنيفها وتأطيرها داخل شروط محددة للنوع هى كتابات تستعصى على التصنيف السهل وليس ذلك لأننا فى عصر ما بعد الحداثة الذى أتى بمقولات من نوع عبر النوعية ، لا وإنما هى سمة الكبار فى كل عصر أن يجتازوا الحدود المرسومة من قبل السابقين الذين أرسوا تقاليد معينة للأنواع ،هل نيتشه شاعر أم فيلسوف؟أم أنه فيلسوفا يكتب الشعر ،أم شاعر متفلسف ؟ هايدغر ؟ هيراقليطس ؟ هل كامو روائى ومسرحى أم فيلسوف ؟ وسارتر وديستويفسكى ؟
أندريه بريتون منظر السريالية الأول وكاتب بيانها الشهير هل هو ناقد أدبى ومفكر أم شاعر سريالى ؟ كذلك ت.س.إليوت وإزرا باوند ، كذلك شاعرنا المتفلسف وفيلسوفنا الشاعر سيوران .
ولد إيميل سيوران عام 1911 بإحدى قرى ترانسلفانيا الرومانية لأب راعى كنيسة وأم متشككة فى الدين !مما سيجعل الصبى يعيش توتر دائم ونزاعات متكررة بين هذين المختلفين حد التناقض .
سيهتم بدراسة الفلسفة فى بداية حياته ، ولكنه فى سنوات النضوج سيكتب " أفول الأفكار " على غرار " أفول الأصنام " لنيتشه متخليا حتى عن الفكر الذى جعله يرتفع فوق العامة ويزدريهم فكتاباته اللاحقة تصل لمنطقة تلتف فيها الكتابة على نفسها مثل أفعى هايدغر الشهيرة التى تعض على ذيلها قافلة الحلقة مثل أى فكرة أصيلة تهاجم نفسها بنفسها مغلقة الدائرة أمام الأفكار المضادة( كل شئ باطل عدا الأفكار عن الباطل) .
فى الثانية والعشرين سينشر سيوران كتابه الأول " على قمم اليأس " بلغته الأم الرومانية والتى سيكتب بها كتابين أخرين ثم يهجرها للأبد لصالح الفرنسية التى سيكتب بها بقية كتبه الخمسة عشر غير المخطوطات التى وجدت بعد موته فى عام 1995 عن عمر 84 عام ! هذاالذى عاش طول عمره عدمى متشائم ملقبا نفسه بـ " أنا أول رسول للعدم " وممجدا للإنتحار ، عمّر حتى الرابعة والثمانين !فهل هو التناقض مرة أخرى أم أنه متسق مع فكرته حول أن وجود فكرة الإنتحار فى رأسه هى التى تجعله يتحمل الحياة ولولا ذلك لأختار الموت بلا تردد ؟!
ورغم أن فكر سيوران هو ضد الفرح النتيشوى بإمتياز إلا أنه من المتأثرين بنيتشه فى أسلوب الشذرات الشهير الذى أعاد نيتشه إكتشافه فى العصور الحديثة بعد أن إعتمده الفيلسوف اليونانى الغامض والمتشائم هيراقليطس ،فها هو يعلن عن فائدة الشذرة فى إكتشاف الأغوار الداخلية وتدفق الخيبات الخاصة (في مدرسة ضعاف النفوس نتكوّن، نحن عبدَةُ الشذرة والنـَدبَة. ننتمي إلى زمن إكلينيكيّ لا اعتبار فيه إلاّ للـحالات ننكبُّ على ما سكتَ عنهُ الكاتب، على ما كان يمكنُ أن يقول، على أغواره الصامتة. ولو ترَكَ عملاً فنياً أو أفصح لنا عن نفسه لظفرَ منّا بالنسيان.
لا يسحرنا إلاّ الفنّان اللامُتحقق... المهزوم الذي يَرضى لِخيباتهِ أن تـُهدر، الذي لا يعرف كيف يستثمرها ).

كذلك تأثر بنيتشه فى هجره للرأى العام وإبتعاده عن الجمهور ( لا يجب أبدا الإتفاق مع القطيع حتى ولو كان الحق معه ) وإحتقار أى كتابة تكتب بأى إهتمام لقارئ مفترض (لا عقوبة أشدّ من التكريس.. إذ ما أصبح الكاتب مرجع الجميع حتى يتعذر الرجوع إليه، خشية أن نزيد من حشد المعجبين به، أي خشية أن نزيد من عدد أعدائه ) ..).
وفى تفضيله للوحدة وسعادته بها ( الوحدة تسعدنى كثيرا إلى درجة أن كل لقاء يعنى عملية صلب لى )، و ( نحن نفهم ما هى الوحدة حين نسمع صمت الأشياء )

رسول العدم
أظن أن سيوران تأثر أيضا بالفيلسوف الألمانى المتشائم الكبير شوبنهاور، فهو أيضا كان يرى الوجود مأساة كبرى ، غلطة كان من الأفضل للجميع ألا تقع ،وكان رده على سؤال هاملت الشهير " أكون أو لا أكون " : ( كان من الأفضل لك ألا توجد )
وكان أيضا يمجد الإنتحار ولكنه عاش حتى تجاوز السبعين !
إذن سيوران فعلا رسولا للعدم ولكنه ليس الأول ، هو يكمل رسالة سلفه الكبير شوبنهاور ولكنه تجاوزه بكثافة رفضه وحدّته ( يمكننى أن أرتكب أشد الجرائم ، ألا أن أكون أبا )
، ( أرى المستقبل لدرجة أن لوكان لدى أطفالا لخنقتهم على الفور ) ، ( أنا لا أقاتل العالم بل أقاتل قوة أكبر تعبى من العالم ) وتبلغ العداوة درجة الإجرام المتبادل ( إن دورى هو قتل العالم ودور العالم هو قتلى ونحن نتفاهم جيدا كما هى العادة بين المجرمين )
ويبلغ سيوران ذرى اليأس كما يعنون كتابه الأول ، فليس هناك أمل فقط كما كان يقول المتشائمون السابقون ، بل أن الواجب الإنسانى هو الإيغال أكثر فى المأساة وأقفال الدائرة على نفسك أكثر ( الحياة هى ببساطة لا معقول ..مشروع مسموح به ومقبول ، وواجب الإنسان الوحيد هو وحدة أكبر )
وهنا يقول بكل وضوح ( العذاب هو حالة الوحدة الداخلية والتى لا يقدر أى شئ من الخارج أن يقدم العون )
فإذا كان العذاب هو حالة الوحدة الداخلية والتى لا مهرب منها بل أصبحت هى المطلب والواجب وإذا كان (هى جريمة كبرى أن تعكر على أحدهم وحدته وتضايقه فى أن يكون أناه )
فتصبح الأنا هى العذاب الذى لا مهرب منه بل ويتحول إلى مطلب وواجب فى تلذذ مازوشى يذكرنى بختام رسالة سيزيف لكامو التى أعلن فيها ـ عبر التطابق بين سيزيف فى الأسطورة وقدر الإنسان ـ أن ليس أمام الإنسان وهو يدفع صخرة مصيره المأساوى إلا أن يفرح بذلك التحدى !

وأيضا : ( ليس عليك أن تنتهى على الصليب فأنت قد ولدت مصلوبا )

ليس هذا فقط وإنما راح يحفر عميقا فى أغوار وهم حلم السعادة الطفولى الذى يخفى حقيقة المأساة الإنسانية ويضع أحلاما بلهاء تصنع من أفكار ساذجة ( لو كنا قريبين من الجنة لأبعدتنا السخرية عنها ،أقول لكم أن أفكاركم عن السعادة فوق الزمنية أو القادمة هى أمر غير معقول ، إشفوا نفوسكم من النوستالجيا ، من الهاجس الطفولى ، هاجس بداية الزمن ونهايته البلهاء .وحدهم مشغولولون بالأبدية ، بالبقاء الميت ، إسمحوا للحظة بالعمل ، وتيقنوا من أنها قد كررت التشبع بأحلامكم )

وإذا كان الجحيم عند سارتر متمثل فى الأخرين فها هنا فسحة من الأمل تتمثل فى أغوار الذات الداخلية ، التى تجد وجودها فى تقبل قدرها المتمثل فى كونها حرة وألا يمكن أن توجد على غير ذلك وفى تحمل مسئولية هذه الحرية ومن الإلتزام بهذه المسئولية تنتزع الذات فخرها وكرامتها ، أما سيوران فيغلق علينا الدائرة بالكامل ، فغير جحيم عذاب الذات الداخلى المتمثل فى الوحدة المطلقة ، فإننا فى الخارج نصطدم بالأخر الذى يرغمنا على الزيف رافضا أن يرى حقيقة ذواتنا ومنتقصا من قدرنا بطلب صورة زائفة ، قناع ترتديه الذات من أجل الأخر متحولة إلى مؤدى كالبهلوان ( أطرد الناس من أفكارك ولا تدع أى شئ خارجى أن يلوثها ، واترك للمهرجين هموم البحث عن أشباههم ،الأخر يقلل من شأنك فهو يرغمك على أن تؤدى دورا ما ) ، ( الأخر هو ما يمنعنى عن أن أكون أنا )
وهو يبادل هذا الفعل الضاغط المهاجم من الأخرين بكره صريح ( حين أخرج إلى الشارع لا تخطر فى رأسى غير فكرة الإبادة )
، ( لست أنا من لا يصلح للعالم ، بل العالم لا يصلح لى )

الخميس، 23 سبتمبر، 2010

تناقضات الأناجيل 1 ـ الصلب

تختلف رواية الصلب فى الأناجيل حد التناقض الواضح فى أكثر من موقع ، وهذا يبين بشرية هذه النصوص ويسقط عنها إدعاء الوحي الذي لا يخطيء . ولنبدأ بلحظة القبض علي يسوع وتحديد من توجه إليه للقيام بذلك : فنجد أن متي يذكر التالي (26/47) : " وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ " وزاد مرقس علي متي بذكر الكتبة والشيوخ ( مرقس 14/43 ) أما يوحنا فيذكر جند ( وطبعا لا جنود غير الرومان ) وخدم من عند رؤساء الكهنة وفريسيين ( يوحنا 18/3 ) أما لوقا فينفرد عن بقية الأناجيل الثلاثة بذكر حضور رؤساء الكهنة بأنفسهم إذ يقول ( 22/52 ) " ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالشُّيُوخِ الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ:«كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ! " وأيضا فى موعد المحاكمة تتناقض الأناجيل فبينما يتفق متي (26/57 ) ومرقس (14/53 ) ويوحنا (18/3 ) علي أن المحاكمة تمت فى نفس الليلة يذهب لوقا ( 22/66 ) أن المحاكمة جرت فى الصباح التالي لليلة القبض " وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ 67 قَائِلِينَ:«إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ، فَقُلْ لَنَا» وينفرد مرقس بذكر عدد مرات صياح الديك " قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات" ( مرقس 14/72 ( بينما الثلاثة رواة الأخرين لم يذكروا عدد المرات وإنما يفهم ضمنيا أنها مرة واحدة : (لوقا 22/60) " قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات" و عند متي ( 26/75 ) " فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ:«إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا. " وعند يوحنا ( 18/27 ) " فَأَنْكَرَ بُطْرُسُ أَيْضًا. وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. " كذلك مسألة الجارية التي كشفت بطرس بها خلاف فى المرتين ، فبينما يذكر متي ويوحنا انه كان واقفا خارج الدار " وأما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار. فجاءت إليه جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي" " ( متي 26/69 ) و " وأما بطرس فكان واقفاً عند الباب خارجاً" (يوحنا 8/16) يذهب مرقس ولوقا إلي انه كان داخل الدار يستدفيء من البرد : " بينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة. فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت: وأنت كنت مع يسوع الناصري" (مرقس 14/66 ) و "ولما أضرموا ناراً في وسط الدار وجلسوا معاً جلس بطرس بينهم. فرأته جارية جالساً عند النار، فتفرست فيه وقالت: وهذا كان معه. " (لوقا 22/55-56) كذلك فى المرة الأخري : فبحسب متي تعرفت علي بطرس جارية أخري " " ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري" ( متى 26/71( ولكن عند مرقس فإن نفس الجارية هي التي رأته : " فرأته الجارية أيضاً، وابتدأت تقول للحاضرين: إن هذا منهم" (مرقس 14/69 ). أما عند لوقا فالذي رآه هذه المرة رجل : " وبعد قليل رآه آخر وقال: وأنت منهم.فقال بطرس: يا إنسان لست أنا" (لوقا 22/58) وعند يوحنا أيضا رجلا ولكن يوحنا يزيد بأنه كان قريبا لمن قطع بطرس أذنه بسيفه عند القبض علي يسوع : وذكر يوحنا أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة " قال واحد من عبيد رئيس الكهنة، وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه أما رأيتك أنا معه في البستان. فأنكر بطرس أيضاً" (يوحنا 18/26) كذلك واقعة حمل الصليب ، فبينما يؤكد يوحنا أن يسوع هو من حمل صليبه : " " فأخذوا يسوع ومضوا به ، فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له الجمجمة "
)
يوحنا 19/17( يتفق الرواة الثلاثة الأخرون أن سمعان القيرواني هو الذي حمل الصليب : " ثم خرجوا لصلبه، فسخروا رجلا مجتازاً كان آتياً من الحقل ، وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه " (مرقس 15/20 – 22 ) ( وأيضا متى 27/32 ، لوقا 23/26 ) وأيضا موقف اللصان اللذان صلبا معه : فبينما يروي متي ومرقس أن اللصين استهزءا بيسوع : "وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ. " ( مرقس 15/32 ) و " " بذلك أيضاً كان اللصّان اللذان صلبا معه يعيّرانه"(متى 27/44 )

فى حين أن لوقا يذكر أن أحدهما استهزء به والآخر انتهره : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً: إن كنت أنت المسيح فخلّص نفسك وإيانا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً: أولا تخاف الله، .. فقال له يسوع: الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس" ( لوقا 23/39 – 43 ( وأيضا يحدث اختلاف فى آخر ما نطق به يسوع قبل موته فبينما يجعله متي ومرقس يطلق صرخة يأس ورفض مدوية : " إلهي إلهي لماذا تركتني " ( متى 27/46 - 50 ومرقس 15/34 - 37 ) يجعله لوقا راضيا بقدره : " يا أبتاه فى يديك أستودع روحي " ) لوقا 23/46) ومثله يوحنا ولكن باختلاف فى الكلمة حيث يقول : " قد أكمل " ونكس راسه وأسلم الروح " ( يوحنا 19/30 )